عتبات النص والمسكوت عنه قراءة في نص شعري

  • د/ حافظ المغربي - جامعة الملك سعود-السعودية

Résumé

مدخل نظري مرجعي:

أصبحت عتبات النص، أو ما اصطلح كثير من النقاد على صكِّه – مصطلحاً – باسم النص الموازي paratexte نصوصاً حافَّةً بالنص الأدبي/ العمل. وقد توسَّع كثير من النقاد الغربيين في رصد مسميات لهذه العتبات؛ التي تدخل مع النصّ الأصلي في علاقات جدلية غاية في أهميتها، تكون مقدَّراً من مقدرات إنتاج مزيد من دلالات الشعرية، التي تفعِّل من دائرة التلقي الإيجابي، وفق تأويل كلٍّ من خِطابَيْ العتبات والنصوص التي تحفُّها، دون فصلٍ تعسُّفيٍّ بينهما، كما سنؤكد بعد قليل

Références

في دواوين الشعراء في القرن العشرين، إذْ اتخذوا قصائدهم التي نظموها في بيئات وأماكن بعينها عنوانات تحمل التَّأثُّر بهذه الأماكن"(41) .

كثيرةٌ هي إشعاعات " عتبة زمن كتابة القصيدة"، إن نحن تتبعناها داخل النّص، بما يعيدنا إلى قراءات تأويلية أُخر لبعض محطَّاته، ولكن يمكن أن نقتصر على بعضها ممَّا هو غاية في أهميته، من حيث قدرة تاريخ مثل:(حزيران 1968) أن يعيدنا إلى معظم قصائد أمل، التي كتبها في ديوانه بين 1966و 1968. إنَّ عنوان الديوان الذي ضمَّ القصيدة وهو:"البكاء بين يدَيْ زرقاء اليمامة" ضمن الأعمال الكاملة، المتَّشح غلافها بالسواد بما يوحي بالانقباض والموت، حيث يبدو أمل مجلّلاً كمومياء بزرقةٍ بنفسجيَّة؛ يمكن أن يوقفنا على هذا النحو – مسترجعين- عند قصيدة أخرى سُمِّيت باسم الديوان: "البكاء بين يَدَيْ زرقاء اليمامة"، بوصف كل ما سبق عتبات مهمة، لترهص القصيدة بمعانٍ تتماهى وتتناص مع مثيلها، في قصيدة: "من مذكرات المتنبي في مصر"، بما يمكن أن يعيدنا زمن كتابة الأخيرة منها إليها، وبخاصةٍ إذا عرفنا أنَّ زمن كتابة القصيدة الأولى، جاء بعد أسبوع من النَّكسة؛ وهو: "13/6/1967م".

أي أنَّ القصيدة الأخيرة- وهي الأخيرة أيضاً في الديوان- جاءت ناكئةً لجرحٍ لمََّا يندمل، فنحن حين نقرأ مثل قول أمل على لسان المتنبي في قصيدته الأخيرة:
- أُبْصِرُ تلكَ الشَّفَةَ المثقوبهْ
ووجههُ المسودَّ والرُّجولَةَ المسلوبهْ
..أبكي على العروبهْ
ومثل قوله في القصيدة نفسها:
- لكنَّنِي حينَ صحوْتُ
وجدتُ هذا السَّيِّدَ الرِّخْوا

نتذكّر قول أمل، وقد تمثَّل نفسه متقنِّعاً بشاعر آخر هو عنترة العبسيّ في قصيدة:" البكاء بين يدَيْ زرقاء اليمامة، حين يقول مرْهِصاً بالمصير ذاته، المجلَّل بالنكسة والانكسار –وفق تماهٍ وتناصٍّ في المفاهيم- (42):
_ قيل لي: "اخْرسْ ... "
فخرسْتُ ... وعَمِيتُ ... وائتممتُ بالخِصيانْ !
ظللتُ في عبيدِ (عبْسٍ) أَحْرُسُ القطعانْ
إنَّ ائتمامه بـ(الخصيان) هو ائتمامٌ بأمثال كافور بوصفه عبداً مخنَّثاً مسلوب الرجولة، كما يخبرنا شُرَّاح ديوان المتنبي،وكما يخبرنا المتنبي نفسه،الذي يتناص معه أمل،حين يقول المتنبي: (43)
وأنَّ ذا الأسودَ المثقـوْبَ مِشْفـرُهُ تُطِيعه ُذي العضاريطُ الرَّعاديْـدُ
مَنْ علَّمَ الأسْودَ الرِّعديدَ مَكْرُمَـةً أَقـوْمُهُ البيْضُ أم آباؤهُ السـودُ
إنَّ عتبة (زمن نشر القصيدة) قد حملت كشْفاً مضيئأ لمسكوتٍ عنه في القصيدة تآزراً مع بقيّتها، لتحمل في منظومة التلقي ما أسماه د. لحمداني – بصدقٍ- " المفاجأة الكبرى"، حيث يقول : " لكن النص عندما يقاوم توقُّعات القرَّاء بوسائل الكتابة وحيلها؛ فإنه لا يعلن عن خاتمته مثلاً إلا في إطار ما يمكن أن نسميه المفاجأة الكبرى، وهذا يسميه فيليب هامون (التَّوقُّع الممتلئ)"(44). وهذه (المفاجأة الكبرى) وهذا (التوقُّع الممتلئ) لم يتمَّ إلا حين تآزرت العتبات، بدءاً بالعنوان، وانتهاءً – ولا نقول ختاماً - بزمن كتابة القصيدة، لصنع جانب كبير من شعريتها، وشعرية عتباتها.







هوامش البحث وإحالاته:
1- د. حميد لحمداني- "عتبات النَّص الأدبي (بحث نظري)"- مجلَّة علامات في النقد- النادي الأدبي بجدَّة- مج12-ع46- شوَّال1423هـ ،ص8
2- نفسه- ص 24، 23
3- نفسه، ص 20
4- نفسه، ص 28
5- نفسه، ص 32
6- نفسه، ص 33
7- نفسه، ص41
8- محمد بوعزَّة- " من النَّص على العنوان"- مجلَّة علامات في النقد- النادي الأدبي بجدَّة-مج14- ع53- رجب 1425هـ، ص411(بتصرُّف يسير)
9- "عتبات النص ..."- ضمن مرجع سابق،23
10- " من النص إلى العنوان..."- ضمن مرجع سابق،410
11- معجب العدواني- " تشكيل المكان وظلال العتبات"- النادي الأدبي الثقافي-جدَّة- السعوديَّة- ط1-1423هـ- نوفمبر2002م، ص7
12- "عتبات النص ..."- مرجع سابق،21
13- " تشكيل المكان وظلال العتبات"-مرجع سابق،7
14- أمل دنقل- "الأعمال الكاملة"- ديوان"البكاء بين يدَيْ زرقاء اليمامة"-انظر فيه نص قصيدة:" من مذكِّرات المتنبي (في مِصْر)"- كاملةً-، من151:147- منشورات مكتبة مدبولي- القاهرة- د.ت
15- " من النصّ إلى العنوان ..."- ضمن مرجع سابق، 408
16- د.عبدالله أحمد الفَيْفِي- "حداثة النص الشعري في المملكة العربيَّة السعوديَّة"-النادي الأدبي بالرياض-1426هـ- 2005م، ص18،(وانظر فيه ما ساقه د.الفيفي من نماذج لعناوين مألوفة وغير مألوفة)
17- أمل دنقل- "الأعمال الكاملة"،147
18- نفسه،148،147
19- المتنبي- "ديوان المتنبي"- تحقيق ناصيف اليازجي اللبناني- دار الجيل- بيروت- ط2- 1406هـ-1996م، ص948
20- نفسه،959،957
21- أمل دنقل- "الأعمال الكاملة"،148
22- د. محمد عويس-"العنوان في الأدب العربي ... النشأة والتطور"- مكتبة الأنجلو المصريَّة- ط1- 1988م، ص417
23- د. علي عشري زايد- " استدعاء الشخصيَّات التُّراثيَّة في الشعر العربي المعاصر"- دار الفكر العربي- مصر-1471هـ-1997م،ص139
24- محمد مهدي غالي- "قراءة في تحوُّلات القصيدة"- مجلة علامات في النقد-
النادي الأدبي بجدّة-مج12- ع46(مرجع سابق)- من403:400
25- أمل دنقل- "الأعمال الكاملة"، 148
26- نفسه، ص 149،148
27- ديوان المتنبي، ص 823
28- د. أحمد مجاهد- "أشكال التناص الشعري ... دراسة في توظيف الشخصيَّات التراثية"- الهيئة المصريّة العامة للكتاب-1988م، ص297
29- أمل دنقل- "الأعمال الكاملة"،149
30- نفسه، ص 150،149
31- نفسه، ص 151،150
32- " تشكيل المكان وظلال العتبات ..."-مرجع سابق،26
33- أمل دنقل- "الأعمال الكاملة"،151
34- " أشكال التناص الشعري ..."- مرجع سابق،281
35- د. جابر عصفور- " قضايا الشعر المعاصر"- مجلَّة فصول-مج1- ع1- يونيو1981م، ص124
36- "استدعاء الشخصيَّات التراثيَّة"- مرجع سابق-200،199
37- فاطمة قنديل- "التناص في شعر السبعينيات"- الهيئة العامة لقصور الثقافة- كتابات نقديّة (86) - مارس1999م، 93ص
38- "عتبات النص الأدبي ..."- مرجع سابق،29
39- نفسه، الصفحة نفسها
40- " أشكال التناص الشعري ..."- مرجع سابق،282
41- " العنوان في الأدب العربي ..."- مرجع سابق،417
42- أمل دنقل- "الأعمال الكاملة"،85
43- " ديوان المتنبي"-مصدر سابق، ص 960،959
44- " عتبات النص ..."-مرجع سابق،31
Publiée
2011-12-01
Comment citer
المغربي, د/ حافظ. عتبات النص والمسكوت عنه قراءة في نص شعري. قــــــراءات, [S.l.], v. 3, déc. 2011. ISSN 1112-9468. Disponible à l'adresse : >http://revues.univ-biskra.dz/index.php/lectures/article/view/1364>. Date de consultation : 28 avr. 2017